«حكاية نرجس»: بين الدراما والحقيقة.. الكذبة التي تحولت إلى واقع نفسي

دراسة متعمقة في "حكاية نرجس" وتداعيات الكذب على النفس والمجتمع.

مارس 28, 2026 - 19:12
 0  4
«حكاية نرجس»: بين الدراما والحقيقة.. الكذبة التي تحولت إلى واقع نفسي

رحلة الكذبة إلى الواقع النفسي

لا تتجلى قيمة العمل الدرامي الحقيقي في كونه يعيد سرد واقعة صادمة يعرفها الناس، بل يكمن جوهره في انتزاع هذا الحدث من منطقة الدهشة العابرة ووضعه في سياق السؤال الإنساني العميق: كيف يحدث ذلك أصلًا؟ كيف يمكن لامرأة أن تبني حياتها على كذبة، ثم لا تكتفي بإخداع الآخرين، بل تعيش داخل تلك الكذبة، وتعيد ترتيب العالم حولها بحيث تبدو هي الحقيقة الوحيدة الممكنة؟

تجعل "حكاية نرجس" من نفسها أكثر من مجرد دراما مأخوذة عن حادثة مشهورة، فهي تتجاوز كونها قصة عن خطف أطفال أو ادعاء أمومة أو تزوير تحاليل؛ إذ تتناول مواجهة قاسية بين الإنسان وجرحه النرجسي الذي يعجز عن تحمله، وبين المجتمع الذي يضغط على هذا الجرح حتى يتحول من ألم صامت إلى بناء مرضي كامل. وقبل أن تُروى الحكاية على الشاشة، كان هناك بالفعل واقع حقيقي يعود إلى تسعينيات القرن الماضي لامرأة عُرفت إعلاميًا باسم "عزيزة بنت إبليس"، وهو الاسم الذي يكشف كيف يعالج الوجدان الجمعي الشر حين يعجز عن فهمه، إذ يحوله إلى أسطورة سوداء أو صورة شيطانية مكتملة، بينما الواقع النفسي أكثر تعقيدًا.

البناء النفسي والتداعيات الاجتماعية

لم تكن القصة مجرّد ادعاء عابر أو حيلة للهروب من الإحراج، بل هي بناء متصل من الخداع استمر لسنوات، حيث أوهمت المرأة من حولها بحمل غير موجود، ثم اختطفت أطفال حديثي الولادة من المستشفيات، وعادت بهم إلى العالم باعتبارهم أبناءها. قامت باستخراج الأوراق اللازمة لهم، وفرضت روايتها على المحيط، حتى تحولت الكذبة مع الزمن من فعل احتيالي إلى واقع يُعاش من الداخل، وكأنها لم تعد تمثل قصة غير صحيحة بل تمثل الحقيقة الوحيدة التي يمكن أن تبقي الذات متماسكة.

من هنا يبدأ الفهم السيكودينامي الحقيقي للشخصية. نحن لا نتعامل مع شر درامي تقليدي، ولا مع امرأة تمارس الخداع بمفهوم المكسب والخسارة فقط، بل نواجه بنية نفسية معقدة تتشكل عند ملتقى الحرمان العميق وهشاشة الأنا، في ظل ضغط اجتماعي لا يرحم. تلجأ الشخصية دفاعيًا إلى أكثر آليات النفس تطرفًا، مثل الإنكار الكلي وإعادة تركيب الواقع.

المجتمع ووصمة العقم

إن العقم هنا ليس مجرد واقعة طبية أو نقص عضوي، بل يمثل جرحًا نرجسيًا عميقًا يضر بهوية المرأة داخل مجتمع لا يزال يغلب فيه الوجدان المتعلق بربط اكتمال المرأة بقدرتها على الإنجاب. يُعاش العقم في مثل هذا السياق كوصمة أو فضيحة صامتة، وهنا تبدأ النفس الهشة في فعل ما هو أخطر من الكذب.. تبدأ في إعادة تشكيل العالم ليصبح الألم غير موجود، أو لتصبح هي الضحية.

كلما تزايد الضغط النفسي، تتجلى آليات الدفاع مثل تزوير التحاليل على اعتبار أنها خطوة أولى نحو بناء واقع بديل، ويتحول الطفل المختطف إلى عنصرٍ ضروري لاستكمال هذه الحقيقة المُصطنعة. وبهذه الطريقة، يتم إعادة كتابة القصة كاملة بحيث يبدو كل شيء متسقًا، حتى يصبح الكذب أداة للبقاء.

رسائل الأداء وتفاصيل الشخصية

تظهر الشخصية، في لحظات كثيرة، بمظهر لا يقتصر على المراوغة، بل تمتلك القدرة على تصديق نفسها إلى حد يجعل إنكارها يتحول إلى يقين. جمود الوجه، قسوة النظرة، وتصلب الملامح تعكس تعقيدًا نفسيًا كبيرًا. وبذلك، لا تصبح التعبيرات سطحية بل تتجلى فيها سيرة كاملة كما نراها في أداء ريهام عبدالغفور في دورها، إذ قدمت الشخصية عبر تعبيرات دقيقة جعلت الصمت أكثر بلاغة من الكلام. كانت قادرة على نقل التوتر الخفي بين ما يُخفي وما يتسرب.

يمكن اعتبار ما يبدو وكأنه افتقار للحركة أو انخفاضًا شعوريًا نوعًا من التسطح الدفاعي، حيث أن أي اتصال حقيقي بالشعور الأصلي قد يؤدي إلى انهيار شامل. الوجه لا يتجمد لأنه خالٍ من المشاعر، بل لأنه ممتلئ بما لا يمكن السماح له بالظهور، وهنا تكمن المفارقة؛ فإن القناع كما يزداد إحكامًا، يكشف عن شيء أكثر رعبًا، وهو الذات التي لم تعد تحتمل ذواتها.

إن هذه الديناميات النفسية والاجتماعية تجعل من "حكاية نرجس" عملًا يتجاوز سطح الأحداث، مستكشفًا أعماق النفس البشرية وواقعها المأساوي.

ما هي ردة فعلك؟

أعجبني أعجبني 0
عدم الإعجاب عدم الإعجاب 0
حب حب 0
مضحك مضحك 0
غاضب غاضب 0
حزين حزين 0
رائع رائع 0