يوسف إدريس ويحيى الطاهر عبد الله: حياة قصيرة لكنها غنية بالإبداع

احتفاء بذكرى الأديب يحيى الطاهر عبد الله ورثاءه من قِبل يوسف إدريس.

أبريل 22, 2026 - 23:50
 0  2
يوسف إدريس ويحيى الطاهر عبد الله: حياة قصيرة لكنها غنية بالإبداع

حياة يحيى الطاهر عبد الله

«أنا لى عمر حريص عليه، أنا وصلت للسن الحرجة، أنا شاب، أديب شاب». بهذه الكلمات، تحدث الشاعر الراحل يحيى الطاهر عبد الله (1942-1981) خلال حديث صحفى أجراه مع الراحل الدكتور سمير غريب، ونُشر في مجلة المستقبل بباريس أوائل عام 1981. ومن المقرر أن يرحل القدر به فجأة عن دنيانا بعد ثلاثة أشهر من إجراء هذا الحوار، وتحديداً في 9 أبريل 1981، إثر حادث أليم على طريق القاهرة الواحات، وهو في الثالثة والأربعين من عمره، خلال قمة عطائه ونضجه الإنساني والفكري والأدبي.

نظرة على مسيرته الأدبية

تجسد تلك المفارقات القدرية في حياة يحيى الطاهر عبد الله، حيث مرت علينا هذا الشهر الذكرى الـ 45 لرحيله؛ في الوقت الذي بدأ فيه يشعر بقيمة الحياة، وبسرعة جريان العمر، وحتمية التركيز على موهبته الأدبية من أجل تحقيق أحلامه وطموحاته، إذ وافته المنية.

ردود فعل الوسط الثقافي

أحدث رحيل كاتب "الحقائق القديمة صالحة لإثارة الدهشة" المفاجئ صدمة كبيرة في الوسط الثقافي والأدبي المصري، مُخلفًا شعورًا عميقًا بالفجيعة لدى أصدقائه ورفاق دربه من أبناء جيله، مثل عبد الرحمن الأبنودي وأمل دنقل وجار النبي الحلو ومحمد إبراهيم مبروك. وكتب عبد الرحمن الأبنودي قصيدة تحت عنوان "عدودة تحت نعش يحيى الطاهر عبد الله"، التي قال فيها:

يا يحيى يا عجبان يا فصيح
يا رقصة يا زغروتة
اتمكن الموت من الريح
وفرغت الحدوتة.

بينما أستحضر أمل دنقل في قصيدته "الجنوبي"، رثاء يحيى الطاهر عبد الله، مع رثاء نفسه بشكل ضمني، فقال:

ليت أسماء تعرف أن أباها صعد
لم يمتهل يموت الذى كان يحياك
أن الحياة أبدوك
كان الشراب نفدوك
كان البنات الجميلات يمشين فوق الزبد
عاش منتصباً
بينما ينحنى القلب يبحث عما فقد.

مقال يوسف إدريس

كتب الشاعر الراحل حلمى سالم: «لو قُدر لذلك الفتى الأسمر النحيل، يحيى الطاهر عبد الله أن يعيش عمراً أطول من العقود الأربعة التى عاشها، لكان له على الأرجح شأن لم يسبقه إليه كاتب في أدبنا الحديث». لكن الأروع ما قيل في رثاء يحيى الطاهر عبدالله جاء من الأديب الكبير الدكتور يوسف إدريس، الذي كتب مقالاً بعنوان «النجم الذي هوى». هذا المقال يستحق النشر لأنه يكشف عن نبل يوسف إدريس وحبه واحترامه ودعمه للمواهب الحقيقية، بل يمكن اعتبار المقال قصة قصيرة من إبداعه. قصة تلخص دراما حياة يحيى الطاهر عبد الله القصيرة العميقة الضاربة في الوجع.

انطباعات عن يحيى الطاهر عبد الله

يقول يوسف إدريس: "حين رأيته كان قادما لتوه من أقصى الصعيد من قرية الكرنك بجوار الأقصر، كان نحيلا كعود القمح، حلو الحديث والمعشر كعود القصب، فنان القامة والبنية واللمحة، مع ذلك الخجل الصعيدى الشهم الذى لا تخطئه العين. قابلني في قهوة ريش أيام كانت مركز الإشعاع للفن، وقال: أنا أكتب القصة القصيرة. قلت له هات أقرأ؛ فأنا لا يسعدني شئ في العالم مثل أن أقرأ قصة قصيرة كاتبها فنان قصة قصيرة.

تصورت أنه سيخرج لي ظرفاً فيه عشرات مما كتب، وإذا به يعتدل وتأخذ سيماه طابع الاتصال العلوي ويُلقى علينا قصته الأولى كأنها الشعر يحفظه قائله. ومن أول سطر عرفت أنني أمام كاتب قصة وليس أي قصة، قصة جديدة طوع لها شاعرية الوجدان المصري الذي حمصته شمس الصعيد، جديدة الموسيقى، جديدة اللغة، جديدة الموضوع، بل وأكاد أقول ليست مصرية فقط، ولكنها أنغام صعيدية عالمية تمامًا. فرحت به كالكنز، أخذت منه القصة الأولى، ونشرتها في مجلة الكاتب."

ختام مؤلم

لكن، وفي حادث لا معنى له، أصيب ومات يحيى الطاهر عبد الله، ولم يبلغ من العمر ثلاثة وأربعين عامًا. كتب ثلاث مجموعات من عيون القصة العربية الحديثة، وتزوج وأنجب بنتين، وبالكاد بدأ يتنفس الصعداء، وإذا بالقدر الغادر يختطفه. كما تنطق حكمة الشعب المصري أحيانًا بالحق، كان ابن موت. الموت.. ذلك القضاء الحق الذي لا معنى له بالمرة. تلقى الأبنودي نبأ وفاته في منتصف الليل، وحسست بأني كالأطفال أبكي عجزًا، فها هو كاتب عملاق شاب آخر قد اغتيل، والقاتل هو موت ملعون مبكر.

يا شعبنا المصري الطيب، يؤسفني أن أنعى إليكم واحدًا من أنبغ كتابنا، ربما لم تعرفوه كثيرًا، لكنه بالتأكيد سيُخلد في تاريخ أدبنا خلود لغتنا وحياتنا. فرحم الله يحيى الطاهر عبد الله وترك لنا إبداعاته خالدة.

ما هي ردة فعلك؟

أعجبني أعجبني 0
عدم الإعجاب عدم الإعجاب 0
حب حب 0
مضحك مضحك 0
غاضب غاضب 0
حزين حزين 0
رائع رائع 0