«غضب الربيع» .. تحول مناخي يؤثر على حياتنا الغذائية

التغيرات المناخية في مصر تؤثر سلبًا على إنتاج الغذاء وحياة الفلاحين بشكل متزايد.

أبريل 16, 2026 - 03:02
 0  2
«غضب الربيع» .. تحول مناخي يؤثر على حياتنا الغذائية

تأثير التغير المناخي على الزراعة في مصر

جلس «عبدالرحيم»، ابن محافظة الوادي الجديد، بجوار محصول القمح متحسرًا على حظه، بعدما شهد ظواهر "رقادًا واصفرارًا" واضحة جراء كثافة الأمطار التي سقطت على مدار أسبوعين، وتحديدًا في نهاية مارس وأول أبريل، ليخسر عشرات الآلاف من الجنيهات دون أن يدرك سبب ما حدث معه كالفلاح ابن الفلاحين. المحاصيل الزراعية في الوادي الجديد ومحافظات أخرى لم تتعرض لهذه الأوضاع بشكل عشوائي، بل تأتي نتيجة تحول متطرف في الطقس، وفقًا لما أكده خبراء المناخ الذين قمنا بالاستفسار منهم حول التغيرات الواضحة في المناخ المصري.

بحسب أداة رصد درجات الحرارة «meteoblue»، وبتحديد فترة زمنية من 2019 إلى 2025، وخاصة خلال فصل الربيع، تبين أن هناك ارتفاعًا ملحوظًا في درجات الحرارة حيث تخطت في مارس 2025 متوسط درجة الحرارة العالمية 1.5 درجة مئوية لتسجل متوسطًا قدره 2.2 درجة، في حين كانت قد سجلت 0.1 درجة في مارس 2019.

ارتفاع معدلات الاستيراد وتبعات التغير المناخي

على صعيد آخر، وبالمقارنة بين حجم صادرات وواردات القمح، يتضح أن هناك ارتفاعًا ملحوظًا في معدلات الاستيراد خلال نفس الفترة الزمنية، فعلى سبيل المثال، سجلت البلاد في شهر مارس الماضي 2026 أعلى معدل استيراد في تاريخها وصل إلى 1.4 مليون طن، مما يعكس حجم الأزمة الحالية التي تواجه القطاع الزراعي في مصر.

التغير المتطرف في درجات الحرارة يؤثر بشكل ملحوظ على حياة المصريين، وقد بدأ التحوط من نسب القمح منذ عام 2019 الذي شهد ارتفاعًا واضحًا في الإيرادات بنسبة 12.5 مليون طن، وحقق في 2024 زيادة واضحة تصل إلى 13.5 مليون طن.

ظواهر جوية متطرفة واحتباس حراري

قال الدكتور بلال علي، أستاذ مساعد المناخ بمركز البحوث الزراعية، إن ما تشهده مصر خلال السنوات الأخيرة لا يمكن اعتباره تغيرًا طبيعيًا في الطقس، بل هو انعكاس لتغيرات مناخية واسعة النطاق، ظهرت في صورة ما يُعرف بالظواهر الجوية الحادة أو الطفرات المناخية الجامحة. وأوضح أن هذه الظواهر، التي تُعرف علميًا بـ "Extreme Weather Events"، تشمل موجات حر غير معتادة، واضطرابات في توقيت الفصول، وتغيرات مفاجئة في درجات الحرارة والرياح.

شدد على أن استخدام مصطلحات مثل "حادة" أو "جامحة" يعكس طبيعة هذه التغيرات بشكل أدق من الوصف التقليدي. وأضاف أن ما حصل خلال فصل الشتاء الأخير يعد نموذجًا واضحًا، حيث شهدت البلاد ارتفاعًا ملحوظًا في درجات الحرارة في فترة يُفترض أن تكون الأشد برودة، مما يعكس اختلالًا في النمط المناخي العادي. هذا الاضطراب امتد إلى فصل الربيع، الذي أصبح غير واضح المعالم بين فصول السنة.

التداعيات الاقتصادية للتغير المناخي

أشار الدكتور بلال إلى أن السبب الرئيسي وراء هذه التغيرات هو الاحتباس الحراري، الذي يؤدي إلى ارتفاع متوسط درجات الحرارة عالميًا، وهذا بدوره يؤثر على خصائص الهواء والضغط الجوي، مما ينعكس على حركة الرياح وشدة الظواهر الجوية. كما أكد أن تداعيات التغير المناخي لا تقتصر على الطقس فقط، بل تشمل أيضًا الأنشطة الاقتصادية، خاصةً القطاع الزراعي، حيث يواجه المزارعون تغيرات في طبيعة المحاصيل وظروف الإنتاج، مما يدفع البعض إلى تغيير أنماط الزراعة أو حتى الهجرة الداخلية بحثًا عن ظروف أكثر ملاءمة.

لفت الانتباه إلى أن تقارير دولية، ومن ضمنها مناقشات بمجلس الأمن حول "المناخ والسلام"، حذرت من تحول التغير المناخي من مجرد تحدٍ بيئي إلى تهديد مباشر للاستقرار العالمي، مشيرًا إلى أن بعض النزاعات في مناطق مختلفة ارتبطت بتدهور الموارد نتيجة التغيرات المناخية.

زيادة ملوحة التربة والهجرة الداخلية

أظهرت مؤشرات ميدانية واستبيانات مع مزارعين في مناطق مثل الدلتا والسواحل تأثيرات واضحة، ومن بين تلك التأثيرات زيادة ملوحة التربة نتيجة ارتفاع مستوى سطح البحر، مما دفع بعض العاملين في الزراعة إلى الانتقال لمناطق جديدة داخل البلاد، ظاهرةٍ تعكس أحد أخطر أبعاد التغير المناخي على المدى الطويل.

أضرار الطقس القاسي على المحاصيل

قال الدكتور كمال جعفر، خبير الأرصاد الجوية الزراعية في الهيئة العامة للأرصاد، إن الظواهر الجوية الحادة لم تعد تقلبات عابرة، بل تعكس تأثيرات مباشرة للتغير المناخي، موضحًا أن الطقس القاسي قد يتسبب في أضرار ميكانيكية للمحاصيل، خاصة المحاصيل النجيلية، بسبب شدة الرياح أو الحرارة. وبيّن أن التغير المناخي يُقاس من خلال المتوسطات طويلة الأمد للطقس، وأشار إلى أن الاتجاه العام يشير إلى ارتفاع تدريجي في درجات الحرارة، وهذا قد انعكس على تراجع برودة فصل الشتاء خلال السنوات الأخيرة.

التأثير على التركيبة الزراعية

أضاف أن هذا التحول يؤثر بشكل مباشر على التركيبة الزراعية، حيث تتضرر المحاصيل الشتوية التي تحتاج إلى درجات حرارة منخفضة، مثل القمح وبعض الخضراوات، بينما تستفيد المحاصيل الصيفية من ارتفاع درجات الحرارة، مما يدفع نحو التوسع فيها على حساب الزراعات التقليدية. وبين أن بعض المواسم قد تشهد تحسنًا نسبيًا في إنتاج محاصيل مثل الثوم والبصل، نتيجة فترات برودة محدودة، إلا أن الاتجاه العام يظل نحو تراجع إنتاجية المحاصيل الشتوية، في مقابل زيادة الاعتماد على المحاصيل التي تستفيد من الظروف المناخية السائدة.

ما هي ردة فعلك؟

أعجبني أعجبني 0
عدم الإعجاب عدم الإعجاب 0
حب حب 0
مضحك مضحك 0
غاضب غاضب 0
حزين حزين 0
رائع رائع 0