تغيير اسم الشارع.. نفي للذاكرة أم إعادة تقييم للماضي؟
يتناول المقال تحليلًا لقرار تغيير اسم شارع "عبدالمنعم رياض" في حمص، وتأثير ذلك على العلاقات التاريخية وموقف النظام السوري من الرموز التاريخية.
تغيير اسم الشارع وتأثيراته
لم تكن سوريا الجديدة، التي قامت بتغيير اسم الشارع الذي يحمل اسم "عبدالمنعم رياض" في مدينة حمص إلى "شارع 18 نيسان"، تجري عملية روتينية دون اعتبار لأبعادها. بل هي، عمداً، تتدبر نوعاً من الردة على الماضي وما يمثله. إنها تطارد الماضي بكل ملامحه، دون فحص موضوعي أو قيّمي، لدرجة حذف أي مواد دراسية عن الآراميين والكنعانيين من مناهج التعليم، كما حدث قبل أكثر من عام، بالإضافة إلى حذف شخصية "زنوبيا" من الكتب الدراسية، بوصفها شخصية خيالية.
إن هذا النمط من التفكير أدى إلى نقاش في الأروقة السورية مؤخراً حول إمكانية نبش قبور بعض رموز الأزمان السابقة أو نقل جثامينهم من مواضعها تحت التراب.
تفكير تاريخي بائس
هذا هو التفكير البدائي الذي يتعامل مع التاريخ وشخوصه وأحداثه، ومع الأفكار وبواعثها وتجلياتها، كمادة قابلة للإزالة أو الشطب، ببضعة إجراءات أو باستخدام قلم "كوريكتور". وفي الوقت نفسه، يعجز هذا التفكير عن التعاطي مع الحاضر، ومع الاحتلال الإسرائيلي الذي وصل إلى حدود دمشق، ومع انتهاك سيادة سوريا على مدى أكثر من مؤلم.
وقد يكون هذا السلوك تعويضياً، يهدف إلى ترحيل الغضب وإزاحته وتوجيهه ضد الموتى، بعد العجز عن التعامل مع الأحياء.
عبدالمنعم رياض.. رمز التاريخ العسكري
شهادة الفريق عبدالمنعم رياض في الصفوف الأمامية لخطوط التماس مع العدو الإسرائيلي المحتل آنذاك لم تكن شهادة عابرة لضابط أو لجندي أو حتى لقائد مرموق في الجيش المصري. بل كانت مدلولاً لما هو أكبر بكثير، حيث إن الأمة التي مُنيت بهزيمة مؤلمة في عام 1967، كانت تتفقد خطوط المواجهة مع العدو بكل جدية، وبعد حرب استنزاف طاحنة، لدرجة أن يفحص رئيس الأركان بنفسه وضع الجبهة قتالياً، وتصبه قذائف العدو في صباح يوم من أيام مارس 1969.
كان هناك لحمة ربطت مصر بسوريا في فترة الوحدة، وما كان يمثله الجيش المصري من رمزية بالغة في دمشق، مما له أثر بالغ في نظر السوريين لاستشهاد البطل.
تداعيات القرار على العلاقات السورية المصرية
ولكن يبدو أن "رياض" يمثل لسوريا الجديدة ميراثاً من مواريث دولة حافظ الأسد، التي كانت شريكة لمصر في حرب السادس من أكتوبر، ومواريث دولة شكري القوتلي، حين كانت الوحدة بين مصر وسوريا. ويمثل عبد الناصر، بكل ما تكنه له التيارات المتأسلمة من ضغينة وسوء فهم.
يابان عبدالمنعم رياض، يعكس اليوم مصر التي تواجه إسرائيل في الماضي والحاضر، في مواجهة موادعة وملاطفة الجولاني ورفاقه.
نبش القبور.. مسألة قابلة للنقاش
إن سوريا التي تتدبر الآن ردة مع ماضيها، تفكر في نبش قبر الشيخ البوطي، وهي مشغولة بهذه المسألة، وتداولها كمسألة قابلة للنقاش. صحيح أن الآراء في عدم النبش تتغلب، لكن هناك مقترحات من نوع طمس القبر والتعمية على موضعه، وكأن سوريا الجولاني أنهت مسائل الأحياء العالقة، فتفرغت للتفنن في الانتقام من الأموات.
إذا كان شاغل الدولة هو إزالة يافطة في حمص وطمس قبر في دمشق، فإن هذا يعكس جانباً هائلاً مما يجري في أروقتها. جرم البوطي هو أنه لم يدعم ما سُمي بالثورة السورية، ورأى فيها نذير شر عظيم سيهدد بلاده، وقد جرى ما حدسه الرجل، بما بلغته سوريا من دمار وشتات.
دور البوطي ومكانته في المجتمع
لكن الجولاني والقاعدة وبقية الفصائل رأوا في البوطي صوفياً أشعرياً وشافعياً يمثل عكس كل ما يمثلونه عقائدياً. وقد تمكن الراحل من التموضع باستقلال دون أن يتكسب أو يتربح من وراء ذلك، كما أنه حظي باحترام كلا الجانبين. كان يمثل حكمة واعتدالا، بينما افتقدت ذلك المجموعة الحالية.
عقلانية البوطي وحكمته، تجسد ما يفتقر إليه الآخرون، وهم غير مستعدين للتضحية بأي شيء في سبيل الوصول إلى السلطة. البوطي كان يشكل قيمة علمية وروحية عالية، ورجلاً متواضعاً ينساب العلم من جوانبه. وهو يمثل ضد كل ما تمثله المجموعة الحالية.
بين الماضي والمستقبل
سوريا الجديدة تفكر في نبش القبور، كما تفكر في تغيير أسماء الشوارع، فكل ما لديها هو الردة على الماضي ومحاولات طمسه. فيما يبدو أن الحاضر والمستقبل لا وجود لهما في رؤيتها.
ما هي ردة فعلك؟
أعجبني
0
عدم الإعجاب
0
حب
0
مضحك
0
غاضب
0
حزين
0
رائع
0