الرسالة المفقودة لفان جوخ
استكشاف لحياة الفنان العالمي فنسنت فان جوخ وأفكاره خلال لحظاته الأخيرة.
اللحظات الأخيرة لفان جوخ
في السابع والعشرين من يوليو ١٨٩٠، خرجت إلى حقول القمح الواسعة التي أصبحت ملجأي في الأيام الأخيرة. كنت أرسمها بشغف؛ وهذا خلال اللحظات المحدودة التي منحتني إياها السماء للاستمتاع باللذة المحرمة. كنت قد أنهيت لوحتي "حقل القمح والغربان"، حيث طغت الغربان السوداء على اللوحة لتلتهم لوني المفضل، الأصفر. اتهمني البعض بأنني كنت أستمده من الأنبوبة أثناء نوبة الرسم، وبين الصرع والصراع مع الخط والضوء والظل والملامح.
قررت اليوم رسم الجذور، عمق الحياة أمام الذبول والموت. جذور تلو جذور، تركت أصابعي الريشة، وألقيت باللوحة بعيدًا. ثم أخرجت مسدسي المخبأ بين طيات ملابسي، رغم أنني لم أعرف سبب حرصي على اصطحابه في رحلاتي الأخيرة مع ألواني وأوراقي إلى حقل القمح. تساءل البعض بعد رحيلي عن سبب عدم توجيه المسدس إلى رأسي، حيث الموت محقق، والنهاية حتمية. لم يعرفوا أنني في البداية صوبته نحو رأسي، لكن عندما حدقت في الشمس، رأيت ألف لوحة وألف مشهد صالح للرسم والتلوين.
ما زال في قلبي جزء من الحب للعمال الفقراء الذين كنت أعظهم في المناجم، والذين أكل السل رئاتهم المنهكة. لأورسولا التي رفضت حبي بسبب ملامحي التي اعتبرت مخيفة، وللشمعة التي وضعت كفي عليها أمامها وأنا لا أشعر إلا بنار عشقها. لم أهتم بمعرفة من هو الأب المجهول لتلك الطفلة التي ستشاركنا السكن. كنت مهتمًا بإطعامها وتدفئتها؛ وعندما تركتني فجأة، بقيت مدينًا لها، فقد منحتني بورتريهات الموديل العاري التي أخفيت فيها ضلوعها البارزة ووجنتيها المدببتين.
كان ما زال في القلب كل الفقراء الذين رسمتهم في الأزقة والحانات، والفتاة التي ذهبت إليها في بيت الدعارة حيث أهديتها شحمة أذني المبتورة. تلك القطعة التي شعرت بأنها زائدة عن بورتريه جمجتي. بعد شجاري مع جوجان، الذي رغم غطرسته كان له مكان في القلب. وعندما هجرني، قررت إهداء أذني لتلك الفتاة. كل هؤلاء، حتى من كتبوا عريضة لطردي من آرل، أحسست تجاههم بالحب، وكان لكل منهم ركن عزيز في قلبي.
الهروب نحو النهاية
قررت الحفاظ على كل هؤلاء، ونزلت بالمسدس إلى البطن، ضغطت على الزناد، وحدقت في الأصفر الذهبي، الشمس والقمح. ودعته وأنا أترنح، سعيدًا بأنني أخيرًا استطعت أن أحلق، كالطيور التي كنت أعشقها. أخبروني أنه بعد رحيلي، عشق الملايين حذائي وغليوني والكرسي الذي رافقني في حجرتي في آرل. لم تعتبر تلك الأشياء مجرد جماد، بل كانت تتحدث معي وتربت على كتفي.
ذهبت إلى مكان سكني، زاحفًا، أمسك ببطني التي اخترتها قبري الأخير ومكان رصاصتي. كان د.جاشيه، الطبيب الذي يتابع حالتي، ينصحني دائمًا بالامتناع عن الغليون وزجاجة الخمر، لكنني لم أستطع. كان أول من عرف بخبر انتحاري هو د.جاشيه، ضمد الجرح وهو يدرك جيدًا أنني أودعه وداعًا أخيرًا.
عندما حضر ثيو، كعادته، كان يحقنني بالأمل، يحدثني عن مستقبل لوحاتي التي لم أبع منها سوى لوحة واحدة حتى لحظة الوداع، وكانت لوحة العنب الأحمر. أمتعني النبيذ حيًا حين شربته وحين رسمته. أخبرني ثيو في خطابه الأخير بأنه سيهجر عمله في تجارة اللوحات. لم يكن لدي في هذا الكون من يحنو علي سواه، لذا حزنت لحزنه وإحباطه.
رحل ثيو بعدي بستة أشهر ضحية الزهري، ودفن بجانبي في AUVERS، تحت زهور من حديقة د.جاشيه. رفضت الكنيسة الصلاة على جثماني، بزعم أنني انتحرت، كأنني ارتكبت إثمًا. وأنا الذي نذر أبي حياته للكنيسة. لكنني كنت أعتقد أن مسح دموع الفقراء وإطعام العمال البؤساء أهم من كل الخطب الرنانة التي حفظتها.
خلال التجادل حول عدم جواز الصلاة على المنتحر، كنت أحدق فيهم مبتسمًا في سلام، مؤكدًا أنني سأحلق بدون صلواتهم. يكفيني شاهد قبر مكتوب عليه "هنا فنسنت فان جوخ" ١٨٥٣- ١٨٩٠، وبجانبي رفيق العمر وثيو ١٨٥٧- ١٨٩١. كانت ٣٧ عامًا من الهروب المزمن، والفرار المستمر، وقد آن الأوان أن أستقر وأن أستريح من عذاب مطاردة السراب.
ما هي ردة فعلك؟
أعجبني
0
عدم الإعجاب
0
حب
0
مضحك
0
غاضب
0
حزين
0
رائع
0