التكريم بالأعمال: قيمة العطاء الحقيقية
استكشاف أهمية التكريم الواقعي للأفراد من خلال إنجازاتهم بدلاً من المظاهر الرسمية.
ملامح التكريم الأصيل
قبل فترة، التقيت برئيس الجهاز القومي للتنسيق الحضاري، وبادرته قائلاً: "يعني هل يجب أن أموت حتى يُكتب على لافتة في منزلي (عاش هنا)؟" كان تعليقي يتعلق بالمشروع الذي يكرم رموز الإبداع في مصر من خلال وضع لافتات مميزة على منازلهم تتضمن سيرهم الذاتية. هذا المشروع يعد إسهامًا جيدًا، لكنه يقتصر على الراحلين، وبهذا يحرم فئات عديدة، مثل رجال الأعمال، من التكريم.
لقد دأبت على كتابة ضرورة تكريم الدولة لرجال الأعمال الذين أسهموا في بناء الاقتصاد وحل مشكلات المجتمع وتركوا أثرًا طيبًا في حياة المصريين، لكن ذلك لم يحدث للأسف. قلت لنفسي: لا بأس. فالقيمة الحقيقية للإنسان تكمن في جوهر عطائه، لا في المظاهر الخارجية أو الأوسمة الرسمية. الأثر الإيجابي والعمل المخلص والعطاء هو ما يبقى ويستمر. الأوسمة تُنسى أو يزول أثرها بمرور الزمن. الشخص الذي يُخلص في عمله يجد تكريمه في الرضا الذاتي والنجاح في تحقيق مشروعه، ويصبح قدوة.
معنى التكريم الحقيقي
التكريم هو اعتراف بالجهد المبذول، لكنه يصبح بلا معنى عندما يتحول إلى شكليات لا تليق بحجم العطاء. الأوسمة مجرد "إشارة" للنجاح، لكن العمل هو النجاح ذاته. الأديب الكبير الراحل نجيب محفوظ، على سبيل المثال، فإن عظمته تكمن في أعماله الأدبية التي أحدثت ثورة في الرواية العربية، وليس في الجوائز التي نالها، بما في ذلك جائزة نوبل. فهذه الجائزة العالمية لم تصنعه، بل هي اعتراف متأخر بعبقرية أعماله وريادته.
وعلى نفس المنوال، فإن القيمة الحقيقية لرجل الأعمال لا تُقاس بحجم ثروته أو الجوائز التي حصل عليها، بما في ذلك دخوله قائمة فوربس لأغنى المليارديرات. بل تكمن قيمته في الأثر الملموس الذي يتركه ليستمر في حياة الناس والاقتصاد.
تحديات التكريم في المجتمع
منذ عام 1952 وحتى اليوم، لم يتم تكريم رجل أعمال واحد، وكانت وسيلة الاعتراف بهم في الستينات هي المصادرة وفرض الحراسات. على الرغم من الانفتاح الاقتصادي، لم يتغير الوضع، ولم يحصل رجال الأعمال على التكريم المستحق على مدار السبعين عامًا الماضية. لقد كرمنا نجوم الفن والرياضة والأدباء، ولكن رجال الأعمال بقوا خارج دائرة التكريم.
الأدهى من ذلك، أن الدراما المصرية تصور رجل الأعمال كونه يعيش في أجواء أسطورية؛ يدخن السيجار ويشرب المُسكرات ومحاط بالنساء الجميلات. ومع أن القطاع الخاص هو القاطرة الحقيقية للحياة الاقتصادية في مصر، يتم مزاحمتهم بدلاً من رد الجميل لهم.
أهمية أعمال رجال الأعمال
رجال الأعمال ليسوا في حاجة إلى تكريم رسمي من الدولة، فأعمالهم هي التكريم الحقيقي. هم شركاء أساسيون في التنمية ومواجهة الفقر والبطالة. التطوير العقاري الذي قاموا به، باقٍ ومستمر. المدارس والجامعات والمستشفيات والنوادي التي أنشأوها تخدم الملايين، وأعمالهم الخيرية يشعر بها الفقراء ومحدودو الدخل في ربوع مصر.
التكريم، سواء كان لرجال الأعمال أو لغيرهم من "بناة مصر" وعظمائها، ليس بوسام، بل بما فعلوه لصالح الناس. المقالات والمدح والأغاني ستزول آثارها، أما العمل الحقيقي المفيد فهو باقٍ ونافع. كما يقول الفنان القدير محمد صبحي: "التكريم الحقيقي ليس مجرد جائزة أو منصب، بل هو نظرة الحب والاحترام في عيون الناس". الأعمال المتميزة هي أسمى أنواع التكريم، إنها بصمة نجاح تخلد صاحبها في ذاكرة الأجيال.
ما هي ردة فعلك؟
أعجبني
0
عدم الإعجاب
0
حب
0
مضحك
0
غاضب
0
حزين
0
رائع
0