هل يُمكن إنقاذ لبنان؟
تحليل شامل لتحديات لبنان الحالية وتأثير الحرب الإقليمية على مجتمعه.
تحديات لبنان في ظل الأزمات الإقليمية
يعتبر لبنان الخاسر الأكبر في الجولة الحالية من المواجهات في الشرق الأوسط، التي بدأت منذ السابع من أكتوبر ٢٠٢٣. تتجاوز الخسائر اللبنانية بكثير ضياع المقدرات والانهيار الاقتصادي، خصوصًا في بلد لم يتعافَ بعد من آثار أزمة اقتصادية ممتدة منذ ٢٠١٩. يتأرجح لبنان على حافة جرفٍ هارٍ، وكأن سقوطه أصبح مُحتملًا في أي لحظة. البلد مُهددٌ في بقائه دون أدنى مبالغة.
ومن يتابع بعض جوانب الحوار الداخلي في لبنان يُدرك حرارة الوضع التي تصل حد الغليان. ما كان يُقال همساً في الغرف المغلقة صار يُصرح به علنًا على شاشات التلفاز. الخوف الوجودي لدى بعض الطوائف أصبح «سراً مُعلناً». منذ عشر سنوات، كان هذا الخوف حاضرًا بشدة لدى الطائفة السنية، وهي تشهد ما يحدث للسنة في سوريا المجاورة. قتل تحالف الحكم الأسدي العلوي والحرس الثوري الإيراني وحزب الله ما يقرب من نصف مليون سوري، أغلبهم من السنة، وهو زلزالٌ هائل لم يشعر به أحد بقدر ما شعرت به جماعة السنة في لبنان.
بدا واضحًا أن حزب الله يمسك بزمام الأمور في لبنان، حيث لا يعين الرئيس إلا بتوجيهاته، حتى لو استمر المنصب شاغراً لسنوات. كما بدا الميزان في المنطقة يتحرك ضد السنة، خاصة بعد الاتفاق النووي الذي وُقع بين الولايات المتحدة وإيران في ٢٠١٥، والذي قاد إلى وفورات مالية استخدمتها طهران في تمويل الميليشيات الشيعية.
تأثير الصراعات الإقليمية على لبنان
تجاوزت الميليشيات والجماعات المسلحة اغتصاب قرار الحرب والسلم، كما فعل حزب الله مراراً، إلى اغتصاب معنى السيادة نفسها وحق تقرير المصير للشعوب. لا يُعتبر هذا القول مبالغة. فقد انتشرت الجماعات الولائية، التي تعبر عن ولائها للولي الفقيه، في عدة بلدان عربية حتى صارت مؤسساتها السياسية مسلوبة الإرادة، والقرار السياسي مرهونًا بطهران. إذا لم يكن ذلك اغتصابًا لحق الناس في تقرير مصيرهم، فما الذي يمكن تسميته؟
ارتكبت إيران جرائم في حق العديد من البلدان العربية، وخاصة سوريا، تفوق في فداحتها الجرائم المرتكبة في الاحتلال المباشر. فبينما يظهر الاحتلال بوضوح، فإن اغتصاب السيادة وحق تقرير المصير هو فعل خبيث يدمر وجود الدولة ككيان مستقل.
التغيرات في الديناميات الطائفية
شهد لبنان اختراقًا طائفيًا خلال ربع قرن، وتسارعت هذه الوتيرة مع ما يسمى بحرب الإسناد الأولى لغزة في السابع من أكتوبر، ثم حرب الإسناد الثانية لإيران في مارس ٢٠٢٦. أسفرت هذه الحروب عن تغييرات كبيرة في المشهد الطائفي اللبناني. بعد أن كان الخوف منصبًا على الطائفة السنية، أصبح اليوم ينتاب أبناء الطائفة الشيعية، الذين تعرضوا لاغتيالات مفاجئة لزعمائهم، بما في ذلك اغتيال المرشد الأعلى الذي يمثل زعامة روحية ودينية كبيرة.
تغير المزاج اللبناني، فقد زال الغطاء الذي كان يحمي حزب الله من مواجهة إسرائيل، كما حدث في حرب ٢٠٠٦، مما جعل الانقسام الطائفي حول دور الحزب وصراعه مع إسرائيل أكثر وضوحًا وحسمًا من قبل. الطائفتان الكبيرتان الأخريان، الموارنة والسنة، أصبحتا في حالة اصطفاف شبه كامل ضد الحزب وسياساته.
أبناء الشيعة يجدون في غياب التعاطف من الطوائف الأخرى مع معاناتهم، جراء النزوح والمآسي التي تعرضوا لها، ما يعزز مخاوفهم من احتمال تعرضهم لضربة كبرى تُعيدهم إلى زمن كانوا فيه الطائفة المستضعفة والمحرومة.
استغلال مشاعر الخوف
لا شك أن حزب الله ومن ورائه إيران يسعى لاستغلال مشاعر الخوف هذه. فالنظام الطائفي في لبنان قائم على إدارة المخاوف وتوازنها، وليس معالجتها أو إزالتها. يعرف الحزب أن ورقته الأقوى تكمن في السلاح، فهو الطائفة الوحيدة القادرة على حيازة السلاح، بل إن سلاحه يتجاوز في قدراته ما تمتلكه الدولة.
يعرف حزب الله أن سلاحه لم يحمي البلد أو الطائفة، وبالتالي يفقد أي مبرر لوجوده في عيون غالبية اللبنانيين. من هنا، فإن ورقته الأخيرة تكمن في «استدعاء» احتلال إسرائيلي جديد، تمامًا كما حدث بعد انسحاب إسرائيل عام ٢٠٠٠.
وليس من المفاجئ أن يسعى الحزب خلال الأسابيع الماضية لدفع إسرائيل إلى الشروع في عمليات عسكرية تتضمن احتلال الجنوب وحتى الليطاني، وهذا ما حدث بصورة أو بأخرى. فبدون الاحتلال، يصبح السلاح بلا «غطاء سياسي»، ويظل محصورًا في المعنى الطائفي المباشر والفج.
ما هي ردة فعلك؟
أعجبني
0
عدم الإعجاب
0
حب
0
مضحك
0
غاضب
0
حزين
0
رائع
0