من شارع شريف إلى العالمية.. كفافيس الشاعر الذي سكن الإسكندرية فاحتضنه العالم
استعرض المقال حياة الشاعر اليوناني قسطنطين كفافيس، وتأثيره في الأدب، وعلاقته العميقة بالإسكندرية.
حياة قسطنطين كفافيس
بين ميلادٍ ورحيلٍ جمعهما يوم التاسع والعشرين من أبريل، أغلقت الإسكندرية قوس الحياة لواحدٍ من أعظم مبدعيها، إنه الشاعر اليوناني قسطنطين كفافيس، ذلك اللغز الشعري العابر للحدود، والأكثر تأثيرًا في الأدب اليوناني الحديث. في هذا التاريخ من كل عام، تُحيي الأوساط الثقافية ذكرى ميلاد شاعر فذ ورحيله، في مفارقة زمنية توجت مسيرة رجل عاش غريبًا عن وطنه الأم، ومنتميًا بقلبه لعروس المتوسط.
إرث كفافيس
غلاف الكتاب لم يزر «وطنه الأم» إلا لِمامًا، ظلت الإسكندرية هي «المعشوقة والملهمة» التي احتضنت معظم سنوات عمره، ليتحول بأسلوبه الفردي الواعي إلى أيقونة عالمية، والرمز الأبرز للتلاقي الثقافي بين مصر واليونان. هذا الارتباط الوجداني العميق بالإسكندرية، تجسد حتى في تواريخ حياته، حيث تشير سجلات الميلاد إلى السابع عشر من أبريل عام 1863، لكن اعتماد التقويم الجريجوري في الدوائر الرسمية المصرية لاحقًا، جعل من يوم وفاته في التاسع والعشرين من أبريل عام 1933 مطابقًا ليوم ميلاده، وفقًا لتوثيقات أرشيف كفافيس ومؤسسة أوناسيس.
ترجمات الأعمال
لقد تُرجمت إبداعات كفافيس إلى لغات العالم الحية، من إنجليزية وفرنسية وألمانية وإيطالية، وصولًا إلى العربية، حيث تسابق لترجمة أشعاره نخبة من كبار المترجمين والشعراء المصريين والعرب، مثل الدكتور حمدى إبراهيم، بشير السباعى، رفعت سلام، والدكتور نعيم عطية، والشاعر العراقي سعدى يوسف، والشاعر والفنان التشكيلي أحمد مرسى. ونسلط الضوء على كتاب «الأعمال الكاملة» الصادر عن الهيئة العامة لقصور الثقافة، بتوقيع المترجم حلمي سلام. تعد هذه الترجمة الأجرأ والأكثر شمولًا على مستوى العالم، إذ تجمع لأول مرة المجموعات الشعرية الخمس التي أنجزها كفافيس.
نشأته المبكرة
تعود جذور هذا اللغز الشعري إلى عام 1863 حين وُلد «آخر العنقود» قسطنطين بيترو كفافيس، في قلب مدينة الإسكندرية، لأسرة يونانية أرستقراطية. كان والده، بيتر كفافيس، أحد أعمدة صناعة القطن المصري ومؤسس فرع «الأخوين كفافيس» بالإسكندرية، وهي المؤسسة التي بلغت من الشأن ما جعل الخديو إسماعيل يقلد الوالد وسامًا رفيعًا عام 1869 تقديرًا لدوره في تطوير الصناعة الوطنية. أما والدته خاريكليا فوتيادى، فهي ابنة تاجر الماس جورج فوتيادى المنحدر من أسرة يونانية ثرية بالآستانة، وكانت الملهمة الأولى والوطن الوجداني لكفافيس، حيث ظل مسكونًا بذكراها طوال حياته.
حياة كفافيس في الإسكندرية
نشأ كفافيس في منزل أنيق بشارع «شريف باشا» بالإسكندرية، وسط مجتمع مخملي ضم صفوة رجال الصناعة والمهنيين من مختلف الجنسيات. توفي الأب ولم يتجاوز كفافيس السابعة، تاركًا وراءه ميراثًا هزيلًا جراء حياة البذخ التي عاشها، مما اضطر الأم «خاريكليا» للانتقال بأبنائها إلى إنجلترا، لتبدأ رحلة شتات الأسرة.
انتهت تلك الرحلة بضياع الثروة تمامًا عام 1879 نتيجة نقص خبرة الأبناء الكبار وطيشهم التجاري، لتعود الأسرة مجددًا إلى الإسكندرية ولكن تحت وطأة الفقر. وعلى مرارة تلك السنوات التي قضاها كفافيس في لندن وبريطانيا (بين التاسعة والسادسة عشرة) إلا أنها كانت الرحم الحقيقي لتشكل حسه الشعري، حيث نهل من الأدب الإنجليزي وكتب أولى قصائده بلغة شكسبير، متأثرًا بأعمال عمالقة مثل براوننج وأوسكار وايلد.
بدايات المسيرة الأدبية
شق الفتى «الأنجلو- يوناني» قسطنطين طريقه نحو مدرسة «هيرميس» التجارية، وهى المحطة الرسمية الوحيدة في مسيرته التعليمية التي اعتمدت على دروس منزلية خاصة في الإنجليزية والفرنسية. في تلك السن المبكرة، بدأ شغفه بالتدوين يتبلور في محاولته تأليف «قاموس تاريخي»، وهي المصادفة القدرية التي توقف فيها قلمه عند مدخل مدينة «الإسكندرية»، وكأنه يعلن مبكرًا أن هذه المدينة ستكون مطلع قصيدته ومنتهاها.
ولم تكد وتيرة الحياة تستقر، حتى قصف البوارج البريطانية للإسكندرية عام 1882، لتبدأ رحلة نزوح جديدة للأسرة نحو القسطنطينية (إسطنبول). وهناك، في بيت جده لأمه، انغمس كفافيس في تاريخ أسلافه، ليدرس بعمق التاريخ البيزنطي والإغريقي، وهو المنهل الذي شكل لاحقًا العمود الفقري لأعظم قصائده.
مع عودته للإسكندرية، بدأ كفافيس حياته المهنية مراسلًا لصحيفة «تليجراف السكندرية»، ثم مساعدًا في البورصة المصرية، وفي التاسعة والعشرين من عمره عُين موظفًا بمصلحة الري التابعة لوزارة الأشغال لمدة ثلاث سنوات، واعتمدته البورصة المصرية كسمسار. ورغم كفاءته، وقفت جنسيته اليونانية عائقًا أمام ترقيه ضمن «الهيئة الدائمة للمصلحة»، ليبقى كفافيس في ظلال الوظيفة الرسمية حتى تقاعده عام 1922، مكرسًا روحه لطموحه الأكبر وهو كتابة الشعر.
التحول الكبیر
شهد عام 1895 منعطفًا إنسانيًا وأدبيًا حاسمًا في مسيرة كفافيس، حين التقى بـ«بيريكليس أناستاسياديس»، المثقف الذي لم يجمعه به الشغف المشترك بالأدبين الفرنسي والإنجليزي فحسب بل صار «العراب» الذي فتح له أبواب العالمية. وبحسب ما يوثقه المترجم حلمي سلام، فإن أناستاسياديس هو من منح كفافيس عام 1901 «مائة جنيه» كانت تذكرة عبوره الأولى نحو أثينا، حيث التقى هناك بالروائي الشهير «جريجورى زينوبولوس» ونخبة من رموز الفكر.
إذ انتبه زينوبولوس مبكرًا لفرادة موهبة كفافيس، فسارع بنشر اثنتي عشرة قصيدة له في مجلة «باناثينيوم»، معززة بمقال نقدي رصين قدم كفافيس للمرة الأولى إلى وجدان القراء في اليونان، معلنًا عن ولادة صوت شعري لا يشبه سواه. أقام كفافيس العديد من العلاقات الأدبية، لتشمل الروائي الإنجليزي إى. إم. فورستر، وصداقته الوثيقة بألكسندر سينجوبولوس، الذي منح كفافيس ثقته المطلقة وعينه وريثًا أدبيًا له قبيل رحيله.
الذكريات الأخيرة
بينما كان صوته الشعري يجد طريقه للضوء، رحلت والدته «خاريكليا» فجأة بأزمة قلبية في فبراير عام. في عام 1908، استقر كفافيس في شقته الشهيرة بشارع «ليبسيوس»، التي تحولت في منتصف التسعينيات من القرن الماضي بجهود المستشار الثقافي اليوناني الراحل «كوستيس موسكوف» إلى متحف عالمي يضم تراث الشاعر ويخلد ذكراه في قلب المدينة التى أحبها.
ما هي ردة فعلك؟
أعجبني
0
عدم الإعجاب
0
حب
0
مضحك
0
غاضب
0
حزين
0
رائع
0