صراع بين الثلاجة والتلفزيون: أحلام خيالية تواجه واقعًا اقتصاديًا قاسيًا

في قراءة عميقة لصراع الأفكار بين ما يقدمه التلفزيون من وعود وأوهام وبين الواقع الذي تعكسه الثلاجة، يتضح الفارق الكبير بين الطموحات والقدرة الشرائية.

أبريل 21, 2026 - 17:02
 0  3
صراع بين الثلاجة والتلفزيون: أحلام خيالية تواجه واقعًا اقتصاديًا قاسيًا

الصراع بين الخيال والواقع

عند مشاهدتي للإعلانات الخاصة بالمشروع السكني الجديد، الذي يعتمد على الذكاء الاصطناعي وأنظمة الإدارة الذكية، حيث يبدأ سعر الوحدة السكنية من 11.5 مليون جنيه ويصل إلى 38 مليون جنيه، استحضرت مقولة روسية قرأتها مؤخرًا: "الثلاجة ستنتصر في النهاية على التلفزيون".

يُظهر التلفزيون لنا أحلاماً وردية وعالمًا خياليًا، حيث يجمل لنا الواقع ويدغدغ غرائزنا، موجهًا لنا تطلعات وطموحات في عالمٍ افتراضي نسعى إلى أن نكون جزءًا منه. أما الثلاجة، فإنها تمثل الواقع الاقتصادي والقدرة الشرائية، إذ تعكس محتوياتها الإمكانات المادية للفرد. إنها المقياس الحقيقي الذي يفصل بين الخيال والواقع، وتضع الشخص أمام نفسه كما هو، دون أي تجميل أو دعاية أو شعارات.

خلال السنوات الأخيرة، تزايدت جرعات الأحلام التي يقدمها التلفزيون، على شكل وعود حكومية بتحسين الأوضاع المعيشية وانخفاض الأسعار، فضلاً عن تحويل مصر إلى "وطن" للصناعات، وتوفير فرص العمل. كما أتت إعلانات القطاع الخاص لترتفع بنا إلى عنان السماء، مما يجعلك تتخيل، ولو للحظات، أنك ستكون جزءًا من تلك الطبقة الثرية التي تخاطبها تلك الإعلانات، حيث تتحدث عن شقق سكنية وفيلات تضاهي تلك الموجودة في كاليفورنيا وشنغهاي ودبي، بالإضافة إلى خدمات لا مثيل لها من مصايف ومطاعم ووسائل ترفيه. لكن، بمجرد فتح باب الثلاجة، يتبخر كل ذلك، لتكتشف واقعاً مغايراً، حيث ترتفع أسعار السلع الغذائية، ما يجعل الثلاجة شبه خاوية، مظهرةً تفارقًا صارخًا بين الرواية التي يطرحها التلفزيون والواقع الصارخ.

تاريخ التليفزيون والثلاجة

منذ انطلاقه في 21 يوليو 1960، أصبح التلفزيون أداة سياسية هامة، حيث عملت الدولة على إدخاله إلى أكبر عدد ممكن من المنازل لنقل رسالتها. وأُنشئ مصنع النصر للتلفزيون لإنتاج أجهزة تتناسب مع القدرات المالية للمصريين. ورغم أن الثلاجة بدأت كسلعة ترفيهية للطبقات الغنية، إلا أنها أصبحت شائعة في الستينيات مع ظهور ثلاجات إيديال بسعر 70 جنيها وبالتقسيط، وبالتالي تحولت في السبعينيات إلى رمز للنزعة الاستهلاكية الجديدة في زمن الانفتاح.

على مر السنين، أصبح للتلفزيون والثلاجة مساران متباينان؛ حيث يبشر التلفزيون المواطنين بالرخاء، ويتحدث باستمرار عن الإنجازات، بينما تعبر الثلاجة عن حالة المواطن الاقتصادية؛ هل هي راضية وممتلئة أم تعاني الحاجة؟

الثلاجة كمؤشر اجتماعي

إن الثلاجة لا تمثل فقط وسيلة لحفظ الطعام، بل تعكس قدرات الشخص المالية وأسلوب حياته. فبالنسبة لمن ذوي الدخل المحدود، يصبح كل ما يحصل عليه مخصصًا لأرفف الثلاجة. لا مجال للادخار، لأن "الذي يأتي ينتهي للثلاجة".

إن محاولة إشباع الثلاجة تعني هذا بشكل قاسي، حيث يُحرم الشخص من الخروج للتنزه أو شراء كتاب أو حتى المشاركة في نشاطات عامة، ولا يملك القدرة على التبرع للأنشطة الخيرية. رغم ذلك، يحاول التلفزيون بجمالياته وأضوائه المبهرة أن يجذب انتباه الشخص، ويعرض عليه حياة أخرى تقوم على الوفرة والجمال والاستمتاع. لكن الثلاجة تؤنبه، مؤثرةً بالقول: كيف تصدق التلفزيون وتكذبني؟ فأنا الحقيقة، أما الآخرون فمجرد أحلام يقظة قد تجلب لك الإحباط والألم.

ما هي ردة فعلك؟

أعجبني أعجبني 0
عدم الإعجاب عدم الإعجاب 0
حب حب 0
مضحك مضحك 0
غاضب غاضب 0
حزين حزين 0
رائع رائع 0