التحديث المقلوب: مقارنة بين المسارات التاريخية للحداثة
يتناول المقال الفروق الجوهرية بين مسيرتي التطور في أوروبا والعالم الإسلامي من العصور الوسطى إلى الحديثة وتبعاتها.
الفروق الأساسية بين أوروبا والعالم الإسلامي
تتجلى الفروق بين مسار التطور في أوروبا والعالم الإسلامي في أمرين رئيسيين. يتمثل الأمر الأول في أن العصور الوسيطة في أوروبا بدأت تحت وطأة الظلام وانتهت بفترة تنوير كفيلة بنقل المجتمع إلى العصر الحديث بشكل طبيعي، بعيدًا عن التكلف أو التصنع. ذلك أن الحداثة الأوروبية، بمكوناتها من تصنيع وديمقراطية ووجود دولة القانون وحكم الدستور، فضلاً عن حرية التجارة والتطور الرأسمالي، وضعت أسسها في مجتمع كان يتحرك نحو الحداثة بفعل قوى ذاتية، حيث كان الناس هم صناع هذه الحداثة والدافعين إليها. وقد اندفعت المجتمعات الأوروبية نحو هذا الطريق بدافع من إيمانها بفوائد وأهمية هذه الحداثة.
الحداثة الإسلامية: بداية مشوقة ونهاية مفاجئة
على عكس ذلك، يتمثل الأمر الثاني في الوضع المعكوس الذي شهدته المجتمعات الإسلامية على مر العصور، سواء في العصور الوسيطة أو الحديثة. فقد بدأت العصور الوسيطة لدينا بفترة من الاستنارة والتحرر، حيث أسست حضارة كبرى انتشرت من السند شرقًا إلى شبه جزيرة إيبيريا غربًا، وذلك في فترة زمنية قياسية تمتد لمائة عام، تحديدًا في القرن السابع الميلادي. وفي القرون التالية، أي في القرون الثامن والتاسع والعاشر الميلادي، ظهرت حضارة إسلامية مبهرة شارك في إنشائها مزيج من العرب والفرس والأكراد والأتراك والأمازيغ، سواء كانوا مسلمين أو مسيحيين أو يهود أو من معتقدات أخرى.
كانت هذه الحضارة نقطة إشعاع واستنارة، بينما كانت أوروبا تعيش في ظلامها. ومع ذلك، ومع مطلع القرن الحادي عشر، بدأت أوروبا في العودة إلى الوعي، بينما دخلت حضارة الإسلام في فترة من الركود الطويل. وفي مطلع القرن السادس عشر، كانت أوروبا تستعد للنهضة، في حين كنا نتهيأ للانحدار ثم الأفول. في تلك الحقبة، خرجت أوروبا من عصورها الوسيطة قوة شابة ونشيطة، بينما استمرت عصورنا الوسيطة حتى مطلع القرن التاسع عشر، حيث بدأت بفترة من الاستنارة وانتهت بفترة مظلمة.
التحديات المستمرة للاستمرار في الحداثة
وقد فرضت هذه النهاية نفسها على نوع التحديث الذي قاده محمد علي باشا والذي لا يزال تأثيره قائمًا حتى يومنا هذا.
نستكمل غدًا إن شاء الله.
ما هي ردة فعلك؟
أعجبني
0
عدم الإعجاب
0
حب
0
مضحك
0
غاضب
0
حزين
0
رائع
0