استرداد الآثار المصرية: قضية ضمير إنساني تطرحها التحولات الزمنية

يسلط الدور المتنامي للجدل العالمي حول استعادة التراث الثقافي الضوء على مساعي مصر لاستعادة آثارها التاريخية واستجابة الدول الغربية لذلك.

مايو 8, 2026 - 15:48
 0  1
استرداد الآثار المصرية: قضية ضمير إنساني تطرحها التحولات الزمنية

عودة الآثار المصرية إلى الوطن

في ظل تزايد الجدل العالمي حول أخلاقيات المتاحف وحق الشعوب في استعادة تراثها التاريخي، يبرز ملف الآثار المصرية الموجودة بالخارج مجددًا، مدفوعًا بتحولات أوروبية تعيد النظر في إرث الحقبة الاستعمارية.

تتوالى المطالب المصرية لاستعادة كنوزها الأثرية، فيما يشهد الموقف الغربي تغيرًا نسبيًا تجاه الآثار المنهوبة. السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: هل بإمكان القطع الأثرية المصرية الكبرى، مثل حجر رشيد وبردية آني، العودة إلى موطنها الأصلي يومًا؟

يؤكد الدكتور حسين عبد البصير، عالم الآثار المصرية، أن قضية استرداد الآثار ليست مجرد قضية قانونية أو دبلوماسية، بل هي قضية ضمير إنساني وذاكرة حضارية. ويعتبر أن ما قامت به فرنسا في السنوات الأخيرة من إعادة بعض الآثار والأعمال الفنية إلى بلدانها الأصلية يمثل خطوة حضارية مهمة تعكس تطورًا في النظرة الأوروبية إلى التراث العالمي، بعد عقود عديدة من اعتبار آثار الشرق غنائم حضارية أو هدايا استعمارية أُخذت في ظروف غير عادلة.

النموذج المعقد في علم المصريات

وأضاف عبد البصير في تصريح خاص أن إرنست ألفريد طومسون والس بادج يمثل نموذجًا معقدًا في تاريخ علم المصريات، موضحًا أنه قدم مؤلفات مهمة عن الديانة المصرية القديمة وكتاب الموتى، لكنه ارتبط أيضًا بعصر كانت فيه عمليات نقل الآثار المصرية إلى أوروبا تتم وسط الاحتلال والهيمنة الأجنبية وضعف القوانين المحلية. وأشار إلى ضرورة النظر إليه باعتباره جزءًا من منظومة استعمارية استنزفت تراث مصر والعراق والشرق القديم.

كما أشار إلى أن بردية آني الموجودة في المتحف البريطاني ليست مجرد قطعة أثرية، بل هي وثيقة روحية وفكرية تعكس تصور المصري القديم للحياة والعدالة والبعث. ويعتبر مشهد الفصل 125 من كتاب الموتى الخاص بمحكمة أوزير من أعظم النصوص الأخلاقية في تاريخ البشرية، مما يجعل من الطبيعي أن يشعر المصريون بأن هذه الكنوز يجب أن تعود إلى موطنها الأصلي وسياقها الحضاري.

تحولات الاسترداد والاعتراف الأوروبي

وأكد عبد البصير أن ملف الاسترداد يبقى معقدًا بسبب اعتماد المتاحف الأوروبية الكبرى على قوانين واتفاقيات تعود إلى عصور الاحتلال والنفوذ الأجنبي. ولكنه يرى أن التحولات الأخيرة في أوروبا، خاصة في فرنسا، تعكس اعترافًا متزايدًا بأن كثيرًا من الآثار قد خرجت من إفريقيا والشرق بطرق "غير أخلاقية"، حتى لو كانت تعتبر قانونية آنذاك وفق "قوانين القوة والاستعمار".

وأضاف: "إعادة الآثار إلى أوطانها الأصلية ليست ضد الإنسانية، بل لصالح الإنسانية، لأن الأثر يفقد جزءًا كبيرًا من روحه عندما يُقتلع من بيئته الأصلية. فلا يمكن فصل آثار مصر عن النيل، ولا آثار العراق عن دجلة والفرات، ولا التراث اليوناني عن أثينا. فالحضارة ليست مجرد حجر داخل فاترينة، بل هي ذاكرة شعب وهوية أمة".

خطاب علمي مستند إلى الوثائق

وشدد على أهمية أن يكون الخطاب المصري والعربي في هذا الملف علميًا وهادئًا ومدعومًا بالوثائق، بعيدًا عن الانفعال. وأوضح أن العالم أصبح أكثر استعدادًا للاستماع إلى مطالب الاسترداد، خصوصًا مع تصاعد النقاشات الدولية حول أخلاقيات المتاحف والاستعمار الثقافي.

واختتم عبد البصير تصريحاته قائلًا: "يبقى السؤال الكبير: هل يأتي يوم تعود فيه حجر رشيد وبردية آني وغيرها من الكنوز إلى مصر؟ أعتقد أن الزمن تغيّر، وما كان مستحيلًا قبل خمسين عامًا أصبح اليوم مطروحًا للنقاش بقوة، فالتاريخ لا يتوقف وحقوق الشعوب في تراثها لا تموت".

ما هي ردة فعلك؟

أعجبني أعجبني 0
عدم الإعجاب عدم الإعجاب 0
حب حب 0
مضحك مضحك 0
غاضب غاضب 0
حزين حزين 0
رائع رائع 0